الاستثمار في قطاع النخيل والتمور

الاستاذ الدكتور عبدالباسط عودة ابراهيم
خبير بستنة النخيل/ سلطنة عمان/مسقط
 اصبح تأثير التغيرات المناخية في الوقت الحاضر أكثر وضوحا على مجريات حياتنا اليومية ، كما باتت أساليب حياتنا هي الأخرى تؤثر في التغيرات المناخية ، إذ كلما ازدادت حرارة الأرض ، ازدادت الأضرار البيئية تبعا لذلك ، وكلما ازداد النشاط الصناعي ، ازدادت الانبعاثات

Dr.Abdelbaset O. Ibrahim
Dr.Abdelbaset O. Ibrahim

ت الغازية المسببة للاحتباس الحراري ،إن التأثيرات المحتملة لتغير المناخ على الإنتاج الزراعي لن تعتمد على المناخ في حد ذاته فحسب، وإنما ستعتمد على قدرة المحاصيل الزراعية على التكيف مع التغيرات المناخية و يعزى ما بين 10  -100 % من تفاوت الإنتاج  الزراعي في الأجل القصير إلى تقلبات الطقس حيث لوحظ انخفاض معدلات سقوط الأمطار في مصر ودول شمال أفريقيا و المملكة العربية السعودية والأردن وسورية بنسبة ( 20 -25% ) حسب تقديرات بعض الخبراء ، الأمر الذي يهدد الأمن الغذائي لهذه الدول بدرجة كبيرة كما ان تناقص كميات المياه العذبة في البحرين والسودان وجيبوتي وتونس والجزائر والمغرب  والأردن وسورية ودولة الإمارات العربية المتحدة ، ستكون له آثار جسيمة على الإنتاج الغذائي وزيادة مخاطر سوء التغذية  ،يضاف الى ذلك ان أسعار الغذاء باتت مرتبطة بأسعار الوقود وهذا بدوره ضاعف كلفة لقمة الخبز في معظم بقاع العالم. ان انخفاض انتاجية النفط في العديد من الدول وتفكير دول العالم بالاعتماد على مصادر بديله للطاقة وما يشهده العالم من انخفاض اسعار النفط وحالة العجز في الموازنات العامة يجعل الدول العربية بشكل عام ودول الخليج العربي امام  تحدي  اقتصادي وغذائي ومن هنا لابد من التفكير بمصادر اخرى تعزز الدخل القومي وتساعد على الابتعاد عن الاقتصاد احادي الجانب المعتمد على النفط كمصدر اساسي ان لم يكن الوحيد للدخل القومي.

ان البحث عن مصادر وموارد اخرى  بديلة للتعزيز الموارد الاقتصادية ،يضع امامنا  شجرة العرب نخلة التمر التي  تتنشر زراعتها  على امتداد الأرض العربية  من موريتانيا حتى الخليج العربي ، الشجرة المناسبة بيئيا  للمناطق الجافة وشبه الجافة  والتي تمثل 90% من مساحة الوطن العربي ،و  توارث العرب زراعتها عبر الأجيال وهي المنتج الرئيسي في معظم الدول العربية  ودول الخليج العربي بشكل خاص حيث تعد أعظم شجرة منتجة للغذاء في المناطق الصحراوية و تسمى ثمارها فاكهة الصحراء، وهي لا تمثل مصدر الغذاء ذو الطاقة العالية الذي يمكن تخزينه ونقله إلى مسافات طويلة عبر الصحراء فقط، لا بل هي أيضا مصدر الظل والحماية من رياح الصحراء، وعامل التوازن البيئي والاقتصادي والاجتماعي لسكان الصحارى ،ان قطاع النخيل  يمكن ان  يكون  القطاع الاستراتيجي للبلدان المنتجة للطاقة لحقبة ما بعد النفط و هو  مصدر مهم من مصادر الأمن الغذائي للإنسان والحيوان باعتبار التمور محصولاً زراعياً ذو فوائد اقتصادية وغذائية والشجرة مقاومة للجفاف ، و مواجهة التصحر، بالإضافة إلى المنافع  الاقتصادية والبيئية الأخرى التي تجعل قطاع النخيل  احد الركائز الاساسية للاقتصاد و للأمن الغذائي العربي والخليجي .

فان النخلة الواحدة ممكن ان تمتص 3طن من الكربون من الجو ولو ضرب هذا الرقم  بمليون نخلة فهي قادرة على اقتناص 1.8مليون طن من غاز ثاني اوكسيد الكربون وهذا يمكن يخفض كميته في الجو بمقدار 100الف طن حسب معادلة البناء الضوئي يضاف الى ذلك ان النخلة مخزن كبير للكربون لفترة طويلة كونها شجرة معمرة كما ان الطن الواحد من التمور يمكن ان ينتج 280لتر من الاثيلين الحيوي، اضافة الى ان النخلة الواحدة ممكن ان تنتج  60-100كغ من التمور الجيدة  وكذلل 36.5كغ من المنتجات الثانوية (مخلفات التقليم والخف والجني والثمار المتساقطة) وهذه ممكن اعادة تدويرها في العديد من الصناعات

 هناك تساؤل يطرح هل الاستثمار في قطاع النخيل والتمور مجدي واقتصادي ولماذا؟؟
  في بداية الامر لا بد من الاشارة الى حقيقة مهمة وهي ان النخيل تتم زراعته عن طريق الفسائل سواء كانت خضرية ام نسيجية وفي كلا الحالتين  تحتاج  فترة زمنية  بين 3-5 سنوات لكي تعطي انتاج مقبول من الثمار وهذا يكون حسب عمر وحجم الفسيلة وعمليات الخدمة والرعاية من ري وتسميد  ومكافحة وغيرها ،والعمر الإنتاجي والاقتصادي للنخلة هو 10 سنوات، ان  البعض يعتبر السنوات الاولى قبل الاثمار والانتاج هدر وخسارة متناسيا ان النخلة في هذه الفترة:

  • تبني نفسها خضريا وتقوي مجموعها الخضري الذي يعد  الاساس  ومصنع الإنتاج الثمري
  • تعزز قدرتها على التحمل والتكيف في مواجهة الظروف المحيطة وخاصة اجهادات الحرارة والملوحة والجفاف.
  • تنتج فسائل ممكن الاستفادة منها كقيمة اقتصادية ومردود مالي
    وعلينا التفكير ان الاستثمار في زراعة النخيل وانشاء المزارع  يقتصر على إنتاج التمور فحسب، بل تخطاه إلى أبعد من ذلك، فإن كان إنتاج التمور هو الهدف الأساسي فهناك أهدافاً أخرى تختلف باختلاف  نظرة وتفكير المستثمر وإمكانياته واهتماماته، ومنها   الاستفادة من المنتجات الثانوية؛ لنخيل التمر والي يطلق عليها بعض المزارعن  ( مخلفات)  ،وعلينا فهم حقيقة مهمة من حقائق التاريخ و هي لماذا زرع النخيل في العصور القديمة ؟ وتم الاهتمام به ان كان غير مجديا  وما الذي دفع الناس الى التفكير بزراعة النخيل اليس قوة الشجرة وقدرتها على التأقلم والاستدامة  ،وانها كانت منظومة للأمن الغذائي ومواجهة الاعداء   الصمود، لقد كان الناس قبل التاريخ يعتقدون ان هناك قوة ما او ان الاعداء يعملون على القضاء على الاخضر واليابس في الحروب والهجوم  ومن اعمالهم ( رش الملح على الحقول ،ووضع السم في مصادر المياه )واكتشفوا ان هذه الافعال ان اثرت على بعض النباتات فهي لم تؤثر على النخلة التي كانت اهم مصادر الغذاء والثروة  لذا  نرى ان الملك الآشوري سرجون الثاني (721 ق. م. – 705 ق. م.)  يتباهى بحملته الناجحة في جنوب غربي ايران وبعد عودته منتصرا من حملة شنها على المناطق الجنوبية الغربية من إيران قال مفتخرا (قطعت نخيلهم التي يعتمدون عليها في غذائهم ، والتي تعتبر ثروة منطقتهم ). وكذلك  نرى ان الخليفة العباسي ابا جعفر المنصور  امر بعقر النخيل والتمور في البصرة حيث كتب الى سلم بن قتيبة بن مسلم لما ولاه البصرة ،يأمره بهدم دور من خرج مع ابراهيم وعقر نخلهم ، فكتب اليه سلم بأي ذلك نبدأ بالدور ام بالنخيل ؟ فكتب اليه ابو جعفر المنصور اما بعد فاني لو كتبت اليك بإفساد تمرهم لكتبت تستأذني بأية نبدأ بالبرني ام الشهريز وهذه كانت من تمور البصرة المشهورة ايام الدولة العباسية  . و لنبحر في شواهد واحاديث في مسيرة النخلة الشجرة مباركة توارث العرب زراعتها عبر الأجيال و التمور تعد المنتج الرئيسي في معظم الدول العربية   ، وهي شجرة العرب (عروس الواحات)، حيث يقدر الناس ثروة الفلاح بعدد أشجار النخيل في أرضه ،والتمر هو الغذاء الاساسي  لدى العرب ومن لزوميات الفطور واكرام الضيف .

متابعة قراءة “الاستثمار في قطاع النخيل والتمور”