مدارس المزارعين (مدارس الفلاحين) ودورها في نشر مفهوم الادارة المتكاملة للآفات الزراعية ونجاح تطبيقاتها

أ. د. عبد الستار عارف علي
استاذ متقاعد (الادارة المتكاملة للآفات الزراعية) /قسم وقاية النبات، كلية الزراعة، بغداد
abdulsattararif@yahoo.com

Prof.Dr. Abdul-Sattar A. Ali

 المدرسة الحقلية (Farmers Field School (FFS)) هي أسلوب إرشادي تطبيقي للتعلم الجماعي. حيث ان التعلم في هذه الحالة لا يكون من خلال فصل دراسي في مدرسة نظامية بل في مدرسة مفتوحة للتعليم التطبيقي على مستوى المزرعة تهدف إلى تحفيز الابتكار على الصعيد المحلي لتحقيق التنمية الزراعية المستدامة. ومدارس المزارعين (الفلاحين) تمثل مفاهيم وطرائق مستنبطة من النظام البيئي والتعليم التجريبي ومستلزمات التنمية المجتمعية. كما أنها أسلوب حديث في التوعية الريفية يعتمد على مساهمة جميع المشاركين في تنفيذ المدرسة باستعمال وسائل حديثة للزراعة تساعد على تحسين الإنتاج من حيث الكمية والنوعية وبتكاليف اقل مع المحافظة على البيئة. يهدف منهاج المدرسة إلى تقديم الوسائل المناسبة لتطوير الخبرات وكفاءات الفلاحين وبما يساعدهم على تطبيق الفعاليات والتقانات التي من شأنها تحسين الإنتاج التي تتم من خلال استعمال بذور الأصناف الجيدة والأسمدة الفعالة وكميات مياه الري الكافية واعتماد طريقة الري المناسبة للمياه وتطبيق برامج إدارة الآفات باعتماد وسائل فعالة آمنة بيئيا.  كذلك تهدف مدارس الفلاحين (المزارعين) إلى تعزيز القدرات والمهارات من اجل حل المشاكل التي تظهر في المزرعة واتخاذ القرار المناسب وعادة تستمر نشاطات المدرسة لموسم زراعي واحد. كما أن المدرسة الحقلية تفتح المجال أمام الفلاحين لتكوين تعاونيات وجمعيات للعمل سوياً كأن تكون جمعيات للتسويق وتصنيع المنتجات الزراعية والحرفية. بدأ مفهوم المدرسة الحقلية يتطور في أواخر الثمانينات  من القرن العشرين وكان ذلك مع  صغار مزارعي الرز في دول شرق وجنوب شرق اسيا  وتعد التجربة الإندونيسية  من التطبيقات الرائدة  التي وجهت الانظار نحو هذا الاسلوب من التعلم حيث تمت بمبادرة من قبل منظمة الغذاء والزراعة الدولية FAO وبالتنسيق مع مختصين يعملون في معهد أبحاث الرز(Research International Rice   Institute (IRRI )) في الفلبين بعدها أصبحت مدارس الفلاحين FFS  من التوجهات المعتمدة في تعزيز تطبيقات إدارة الآفات في العديد من دول العالم ومنضمات المجتمع المدني في تلك البلدان. تجدر الاشارة أن الثورة الخضراء التي تبنتها دول شرق وجنوب شرقي أسيا وأدت إلى مضاعفة إنتاج الرز رافقتها مشاكل بيئية وصحية بسبب الاستعمال غير المنسق للمبيدات والأسمدة الكيميائية وكان أصحاب الحيازات الصغيرة هم الأكثر تضررا بسبب صعوبة استيعابهم لمفاهيم إدارة الآفات والعلاقة بين الآفات الزراعية والأعداء الحياتية. لذلك فان تطبيق تقانات الإدارة المتكاملة في الحيازات الصغيرة لم يكن بالمستوى المطلوب. وقد كان لخبراء معهد أبحاث الرز بالتعاون مع المؤسسات الوطنية دور كبير في نشر مفاهيم الإدارة المتكاملة في آسيا منذ بدايات عقد الثمانينات من القرن العشرين ضمن برامج التدريب الوطنية In Country Training Programmes ) ICTP).  لم تكن هذه البرامج الوحيدة في تلك البلدان حيث نفذت برامج وطنية مختلفة وأخرى مدعومة من قبل جهات دولية مختلفة. امتدت تجربة مدارس الفلاحين إلى معظم الدول الأسيوية التي تشتهر بزراعة الرز حيث نفذت المدارس في بداية الأمر بمساعدات خارجية على شكل منح أو من خلال تخصيصات داخلية تتحملها الدولة. كما امتد تطبيق نموذج مدارس المزارعين (الفلاحين) الى دول اسيوية أخرى وفي أفريقيا وأمريكا الجنوبية على محاصيل زراعية مختلفة مع إدخال تعديلات بسيطة تلائم كل محصول والعامل الاجتماعي والاقتصادي في البلد المعني. لذلك فان الاتجاه نحو مدارس الفلاحين من الخيارات الفعالة في تعزيز قدرات الأشخاص العاملين في إدارة مزارعهم والتعامل مع المشاكل التي تواجههم بعقلانية. ساهمت برامج FAO بالتعاون مع منظمات دولية أخرى ومراكز وطنية في الدول المعنية على نشر الوعي والإقبال على مدارس المزارعين بحيث أصبح هناك الآلاف من المزارعين الذين استطاعوا أن يقللوا معدل استعمال المبيدات وتحسين الإنتاج الزراعي في الدول التي تبنت هذا الانموذج في ادارة المزرعة. توسع مفهوم مدارس الفلاحين ليشمل محاصيل حقلية مختلفة ومحاصيل خضر واشجار فاكهة متنوعة حيث كانت برامج إدارة الآفات التي تصيب هذه المحاصيل أكثر نجاحا عندما نفذت من خلال مدارس الفلاحين. إذ أن مدارس الفلاحين توفر للمزارع وسائل تعلم المهارات الحديثة من خلال العمل المشترك وتمكنه على التزود بالمعرفة والمهارة لتجعله خبيراً في حقله وتكون لديه المقدرة على اتخاذ القرار الحرج والمنطقي. كما تساعد على توعية المزارع بالنسبة للتفكير ومعالجة المشاكل فضلا عن دورها في مساعدة المزارعين على تنظيم أنفسهم ومجتمعهم. كما أصبح خريجو مدارس الفلاحين قادرين على تنفيذ فعاليات خاصة بهم تتعلق بالبحث، التدريب والتسويق وفعاليات أخرى. لذلك فان مدارس المزارعين تمثل منتدى لاجتماع المزارعين مع المدربين لمناقشة المشاهدات والخبرات فضلا عن المعلومات المستجدة في داخل وخارج مجتمعاتهم.

يتم تنفيذ المدرسة من خلال المراحل التالية:
– فعاليات تتعلق بتعريف المشكلة وتحديد الأولويات مع اقتراح الحلول الممكنة ويتم ذلك من خلال تحديد المناطق المستهدفة وإجراء مسح أولي فيها.
– تسمية الميسرين الذين سيشرفون على إدارة المدارس.
– القيام بعملية التوعية من اجل إشعار المزارعين حول أهمية المدرسة الحقلية.
– اختيار موقع المدرسة والفلاحين الذين سوف يشاركون غيها.
– تحديد مواعيد اللقاءات الدورية.
– تحديد حقل التجربة مع الحقل الشاهد والمباشرة بالفعاليات حسب الموعد المناسب في الموسم الزراعي.
– عقد اللقاءات الدورية من اجل المتابعة وتقيم النتائج خلال مراحل نمو المحصول في الحقل.

ولأجل افتتاح المدرسة الحقلية لابد من توفر العناصر الأساسية (المكونات الأساسية) التي تشمتل على:

  1. وجود مشرف (ميسر) Facilitator واحد على الأقل ممن لديه الخبرة الكافية لكي يشرف على مدرسة الفلاحين ويقوم بتوفير فرص التعلم من خلال التجربة والمشاركة بدلا عن اعتماد أسلوب الاملاءات المتبع في التعليم التقليدي. يمكن أن يكون الميسر من المختصين بالإرشاد الزراعي أو من اختصاصات زراعية أخرى ولديه خبرة في الإرشاد وتدريب كاف على مدارس المزارعين كما يمكن أن يكون من خريجي مدارس فلاحين سابقة. يعتبر الميسر المسئول الأول في تهيئة مستلزمات التدريب ونجاحه واستمراريته من خلال التنسيق مع مختصين أو مدربين في موضوعات الإنتاج النباتي والحيواني، وقاية النبات ومختصين الإرشاد الزراعي. المدربين يكونون من أخصائي وقاية وإنتاج نباتي وإنتاج حيواني وإرشاد زراعي كما يقوم الميسر بمتابعة وتقيم عملية التدريب ونتائجها من خلال منهاج شامل معد مسبقا بحيث يكون ملائم للمحصول المزروع في حقل المدرسة فضلا عن رغبات الفلاحين المشاركين التي لها دور كبير في تحديد الموضوع المراد التدريب عليه. أما المدربين فأنهم يتلقون تدريبا مركزا في الجوانب الفنية والتطبيقية ومفاهيم مدارس الفلاحين مع تجهيزهم بالمراجع اللازمة لتغطية مختلف المواضيع التي يتضمنها منهاج المدرسة لتكون دليلا علميا وعمليا يستعمله المرشد أو المدرب. من مميزات الميسر ا ن بكون متعاون ولديه الرغبة بإيصال المعلومة إلى المزارع بالأسلوب الذي يناسبه وان يكون مستمع جيد لأرائهم ومقترحاتهم وتجاربهم حيث يساعد المزارع لان يثق بنفسه ويشارك بتجاربه ومعلوماته مع الآخرين. كما يجب أن يتصف بالمرونة في توجيه المزارعين ويتجاوب مع احتياجاتهم في تنظيم نشاطات المدرسة وان يساعدهم على تقوية مهاراتهم وتعزيز معرفتهم وقدراتهم للتعامل مع المشاكل وكيفية ابتكار الحلول المناسبة لمواجهة كل مشكلة مما يؤهلهم ليكونوا ميسرين مستقبلا. إذ أن عملية التيسير أو التسهيل تعبر عن سلوك وتصرف في مساعدة مجموعة معينة تعمل معاً على انجاز عملها بفاعلية. وكذلك تشمل التوجيه الصحيح للمجموعة والتأكد من مشاركة الجميع في النشاطات والنقاشات ومنع الاحتكاك غير المرغوب بين المشاركين وطرح اقتراحات وأفكار وأسئلة متنوعة تساعد المجموعة على تطوير نفسها. كما يساهم الميسر في تطوير وسائل التقانات التشاركية Participatory technology development (PTD ) التي هي إجراء للتحقق أو التحري (البحث الجماعي) يهدف التوصل إلى إجراء مشترك على مستوى المجموعة لحل المشكلة.
  2. وجود مجموعة من المزارعين (الفلاحين) الذين لديهم الرغبة في الانضمام إلى المدرسة ويكون عددهم بين 20 إلى 25 شخص وممكن أن يكون العدد اقل من ذلك (15) أو ربما 30 أو أكثر قليلا. وهم يمثلون محور المدرسة يجتمعون بشكل دوري لتدارس المواضيع المرتبطة بالمزرعة والمشاكل الحقلية المحلية. بما أن المدرسة تقوم على استعمال فنون التعلم بالمشاركة وأن المشاركين من نساء أو رجال هم من الكبار الناضجين ولديه خبرات كبيرة ومهارات مختلفة في مجال عملهم لذلك فان تعلمهم للأشياء الجديدة فيه شيء من الصعوبة ويحتاج إلى الرجوع إلى مهاراتهم وخبراتهم من اجل توظيفها ضن منهاج المدرسة والاستفادة منها في تعليم الكبار.
  3. تعيين حقل للمقارنة مع الحقل المخصص للمدرسة. إذ أن الحقل هو المدرس الذي يوفر معظم مواد التدريب مثل النباتات والآفات ومستلزمات أخرى. وعادة يتم اختيار مكان قريب من الحقل يمثل موقع المدرسة حيث تلتقي المجموعة للمناقشة والمتابعة.
  4. المنهاج. في كل لقاء يكون هناك جدول أعمال الذي يتبع الدورة الطبيعية لموضوع المدرسة (المحصول، حيوانات المزرعة، التربة، آفات زراعية، صناعات حرفية وغيرها) وهذا المنهاج يسمح بتغطية كل جوانب الموضوع الذي من اجله أقيمت المدرسة وبشكل موازي لما يحدث في الطبيعة (الحقل التابع للمدرسة). يساعد في إعداد المناهج شخص مدرب لديه خبرة في تنظيم مشاكل الحقل بالمشاركة مع الآخرين وتدريب الميسرين بحيث يكونون قادة جيدين. كما يتضمن جدول الإعمال على فقرة تتعلق بالتذكير بتوصيات الاجتماع السابق يقوم بعرضها احد الفلاحين. ويتم تقسيم المجموعة لتشكيل مجاميع صغيرة وتزويد كل مجموعة بالأدوات والمستلزمات الضرورية لتنفيذ النشاط. حيث تقوم المجموعة بأخذ ملاحظات عن حالة الحقل ومرحلة النمو واخذ عينات لتسجيل الآفات الزراعية فضلا عن المعلومات المتعمقة بالظروف البيئية السائدة. ثم يقوم فلاح متطوع بتقديم عرض موجز يشرح فيها أعمال مجموعته واقتراحاتهم حيث تبدأ مناقشة عامة بقيادة الميسر. بعدها تكون فرصة ترفيهية القصد منها أن يستفيد المشاركين من العبر التي يستنبطونها إثناء عملهم. كما يتضمن جدول الإعمال على موضوع خاص يقوم بإلقائه الميسر أو خبير متخصص بموضوع معين تقترحه المجموعة. ينتهي الاجتماع باتخاذ عدد من التوصيات والقرارات مع تحديد موعد اللقاء اللاحق. تشتمل الفعاليات كذلك على تحليل النظام البيئي الزراعي (Agroecosystem analysis (AESA) ) وتنشيط دور التقانات التشاركية (Participatory technology development (( PTD) من خلال اختبارات مباشرة وتقييم دور كل مشارك في الأداء والابتكار وكيفية توظيف المعلومات التي حصل عليها في تطوير أفكار وتقانات جديدة من اجل تطبيقها في الحقل. بما أن المدرسة جزء من المجتمع الريفي فان فعالياتها تتضمن إقامة يوم حقل في نهاية الموسم يحضره مزارعين من غير المشاركين في المدرسة ضمن المنطقة المستهدفة أو المناطق المجاورة حيث يتم عرض النتائج التي تم الحصول عليها من خلال فعاليات مدارس الفلاحين ويكون المزارع المشارك في المدرسة هو الميسر في هذه الأيام. عند انتهاء الفعاليات يكون هناك حفل تخرج ينظمه المشاركين والميسرين والجهة المنسقة حيث يمنح المشاركين شهادات تقديرية. المزارعين المتخرجين تصبح لديهم معرفة كافية وثقة بالنفس لإقامة مدراس فلاحية ويكونون هم الميسرين فيها. أما الميسر الرئيسي فيقتصر دوره على المتابعة وتقديم الدعم للمدارس التي ينفذها المزارعين. لذلك تعد مدارس المزارعين (الفلاحين) أسلوب إرشادي متقدم لتدريب المزارعين من خلال مشاركتهم والتفاعل مع واقعهم ضمن مزارعهم وحقولهم. يتناول التدريب موضوعات تتعلق بالحقل حيث يشارك الجميع في النقاشات بحيث تتوفر الفرصة للتعلم من واقع المزارعين أنفسهم واستيعاب المعرفة والتقنيات المناسبة بما يزيد من مهاراتهم وثقافتهم الفلاحية ليكونوا أكثر قدرة على التعامل مع واقعهم واستثمار الموارد المتاحة في تلبية متطلباتهم. لذلك فإن المفاهيم الرئيسية والتقانات التي تستعمل في مدارس الفلاحين تركز على الآتي:

1- النظام البيئي الزراعي Agro ecosystem : يشمل كل المكونات الحية وغير الحية في المحيط البيئي للمنطقة المستهدفة فضلا عن معرفة دور الإحياء التي تتواجد في المحيط البيئي وكيف تتفاعل مع بعضها.
2-أسلوب التعلم يعتمد على مفهوم الاكتشاف من خلال طرح أسئلة (لماذا، كيف، متى، ماذا وما ذالك…) ومن ثم الإجابة عليها حيث تساعد المتعلم على التوصل إلى الإجابة بنفسه من خلال النقاشات والاكتشاف وبذلك يتوصل المشارك إلى التحليل الخاص به واتخاذ القرار المناسب في حقله. كما أن تحليل النظام البيئيAgroecosystem analysis (AESA)) ) يساعد على تحسين مهارات اتخاذ القرار من خلال تحليل واقع الحال في الحقل حيث تقوم المجموعات الصغيرة بجمع البيانات والأشكال أو الرسوم المتعلقة بما شاهدوه في الحقل ومن ثم مناقشتها واتخاذ قرار مشترك بشأنها وعرضها على المجموعات الأخرى في المدرسة لمناقشة مستفيضة والتوصل إلى إجراء مناسب على مستوى المجموعة بأكملها.

أن موضوع التحليل البيئي يتضمن عرض النتائج التي تم الحصول عليها من حقل المدرسة من قبل أحد المزارعين وإجراء مناقشة يشارك فيها الجميع مع عرض نتائج حقل المقارنة (الشاهد). حيث يتم اتخاذ القرار المناسب لحل المشاكل التي تواجه نشاطات المدرسة التي تشمل القيام بفحص كافة العوامل المتعلقة بالمحصول ومرحلة النمو للمحصول المزروع مع بيانات الظروف المناخية في حقل التجربة والشاهد. كما يتم تسجيل الآفات الزراعية ونسبة الإصابة (حشرات، مسببات ممرضة، أدغال….) مع أنواع الأعداء الحياتية المتواجدة في الحقل. أما الموضوع الخاص فهو يتعلق بالمحصول المزروع (الآفات الزراعية، الري، التسميد وسائل المكافحة). لذلك يمكن أن يكون لمدارس الفلاحين دور فعال في تطوير المجتمع من خلال المبادرات ومجابهة المشاكل التي تعترض المجتمع فضلا عن نشاطات أخرى تشتمل على حماية البيئة والتوعية والصحة العامة وتنشيط الجوانب الاجتماعية والثقافية في المجتمع الريفي بأكمله. يتم اختيار حقل المزرعة بمساحة مقاربة للحيازات الشائعة في المنطقة. حيث يبدأ التدريب من خلال تقسيم المشاركين إلى مجاميع صغيرة وتستمر المدرسة الحقلية لموسم كامل لكي يتمكن المزارع من العمل في جميع مراحل الإنتاج لان مشاكل المحصول تتغير تبعا لمرحلة نموه. يجتمع المزارعون في الحقل أو في مكان قريب منه في خيمة أو تحت مظلة أو شجرة. يكون العمل الرئيسي للمجموعة في الصباح هو التجول في الحقل الإيضاحي بمجموعات فرعية من اجل المتابعة وتسجيل الملاحظات التي تتضمن حالة النبات، حالة التربة، الآفات الزراعية والأدغال وغيرها مع تسجيل البيانات المتعلقة بحالة الطقس. كما يتم جمع نماذج من النباتات المصابة والحشرات أو الآفات الغريبة في حالة وجودها حيث توضع في أكياس بلاستك أو عبوات خاصة لإغراض التشخيص وتحديد الإجراء المناسب تجاهها. تقوم كل مجموعة فرعية بعرض ما توصلت إليه أمام باقي المشاركين في المدرسة وتتم مناقشة النتائج بين كل المجموعات. يتولى الميسر مهمة إعداد موضوع جديد في كل اجتماع يتطرق فيه إلى بعض المؤشرات المحتمل ملاحظتها في الحقل مثل حالة النبات الري أو الآفات الزراعية الفعالة في المرحلة المعينة من عمر النبات. كما يتم تشجيع المشاركين على تعليم اقرأنهم في المجموعة. ويعتبر تعليم المزارع أحد الاستراتيجيات الهامة لنقل التعلم والتقانات. وعادة يتم تنظيم يوم حقل في نهاية كل موسم تعرض فيه النتائج التي تحققت في المدرسة على المدعوين من أفراد المجتمع في المنطقة المعنية فضلا عن القرى والمناطق المحيطة بموقع المزرعة. وفي نهاية المدرسة يشارك الجميع بإعداد برنامج إرشادي يستعمل كدليل حقلي لإنتاج المحصول ضمن الحقل في المنطقة المستهدفة. أما بالنسبة للتمويل فانه يعتمد على الجهة المنفذة للمدرسة وكيف تجري الفعاليات لذلك قد تكون مكلفة أو قد تكون كلفتها منخفضة. تجدر الإشارة إلى الدور الكبير الذي قامت به منظمات ومؤسسات دولية مختلفة بتمويل ودعم نشاطات مدارس المزارعين في العديد من دول العالم فضلا عن الدعم الذي توفره البرامج الوطنية في تلك البلدان.

 تميزت مدارس المزارعين عن غيرها من النشاطات بالحقائق التالية:

  1. المزارعين هم خبراء يقومون بإجراء التجارب المتعلقة بحقولهم والتدريب يعتمد على المقارنات بين الفعاليات التي يقوم بتنفيذها المزارعين أنفسهم
  2. الحقل هو مكان التعلم الذي عنده يقوم المزارعين (الفلاحين) بالعمل ضمن مجاميع صغيرة لجمع البيانات وتحليلها واتخاذ القرارات اعتمادا على التحليل الذي توصلوا إليه ومن ثم يقومون بعرض القرارات على بقية المشاركين في المجموعة الرئيسية لغرض التداول والمناقشة.
  3. المرشدين هم ميسرين وليس معلمين وحال ما يتعلم المشاركين ماذا يعملون يقوم الميسر بالجلوس إلى الخلف ويقتصر دوره على مراقبة النقاشات والتدخل فقط عندما تكون هناك حاجة لتوضيح موضوع معين.
  4. منهاج المدرسة يكون متكامل ليشمل جميع المحاور التي سوف يتم التدريب عليها (إنتاج نباتي، إنتاج حيواني، إدارة آفات وغيرها) وعلاقة هذه المحاور بالمحيط البيئي والجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمجتمع. أما التدريب فانه مرتبط بالدورة الموسمية للمحصول حيث تتضمن الفعاليات حسب مواعيد تنفيذها في الحقل بدأ بتحضير التربة، اختيار الصنف ونوعية البذور والزراعة، مكافحة الآفات وعمليات خدمة المحصول، الحصاد والتعبئة والتسويق وقد يكون التدريب متعلق بالمراعي والعلف الحيواني أو غير ذلك.
  5. الاجتماعات تكون دورية في مواعيد يتفق عليها وتكون مرتبطة بالدورة الموسمية للمحصول والمشاكل المحتملة في كل مرحلة ويقوم المزارعين بتحضير مواد التعلم وهي كذلك ترتبط بالظروف المحلية.
  6. ديناميكية المجموعة وهذا نشاط خاص يشمل التدريب على كيفية التفاهم والمحاورة ويساعد على بناء القدرات الذاتية للمشاركين لتمكينهم من حل المشاكل والقيادة والمناقشة فضلا عن الدور الذي يقوم به المزارع بتطبيق قراراته وخبرته في حقله.
    لقد حققت مدارس المزارعين المتعلقة بإدارة الآفات ومواضيع أخرى نجاحا كبيرا في البلدان التي نفذت فيها. ومن أبرز النتائج المتحققة الآتي:
    – تقليص كمية المبيدات المستعملة.
    – زيادة في استعمال المواد الإحيائية والنباتية.
    – تحقيق عائد أكثر.
    – فسم من الخرجين أصبحت لديه كفاءة وفاعلية في البحث عن مصادر أخرى للإيرادات من خلال إنتاج مواد طبيعية للمكافحة مثل النيم أو مسحوق بذور النيم وقسم آخر يتجه نحو إنتاج مستلزمات زراعية مثل عوامل المكافحة الإحيائية منها المتطفلات والمبيدات وفيرمكيولايت وفيرمكومبوست Vermicompost ويستمرون بتنظيم مدارس أخرى على نفقاتهم الخاصة لتدريب فلاحين آخرين وكذلك التوسع في مدارس فلاحين لمحاصيل أخرى.
    – تكوين منتدى ALUMNI للمزارعين الذين تخرجوا من مدارس المزارعين. حيث يعد المنتدى منبرا للتواصل بين خريجو مدارس الفلاحين والتعريف بالنشاطات المنجزة والقائمة وكذلك الافكار المطروحة للنشاطات المستقبلية. كما ان مدارس الفلاحين نفسها تعد منتدى ارشادي تعليمي لتبادل الخبرات والمعلومات بين المشاركين والمدربين في المناطق المستهدفة.
    ولأجل تعزيز الخبرات لابد من القيام بزيارات للمراقبة المتبادلة بين المشرفين والزراعيين في مدارس المزارعين المختلفة التي قد تكون محلية أو في دول أخرى. حيث تمكن هذه الزيارات من الاطلاع على تنظيم مختلف المدارس الحقلية وعلى نموذج مختلف للإشراف وكذلك الاطلاع على أفكار جديدة في أدارة الآفات الزراعية من خلال المناقشات مع بقية المشاركين باعتبار هذه المدرسة تمثل جزء من منظومة إقليمية كبيرة للإدارة المتكاملة للآفات. إن الزيارات المتبادلة ذات فائدة كبيرة للمشرفين حيث يطلعون على مبادئ عمل مختلفة التي يمكن أن يكون لها تأثير ايجابي في أدائهم كما تفيد في تبادل الأفكار والاطلاع على المشاكل التي تجابه كل منهم واقتراح الحلول التي تفيد المشرف الزائر والمضيف. أما على مستوى المنطقة الواحدة يمكن للمشرفين أن يجتمعوا مرتين على الأقل خلال الموسم لتبادل الخبرات ومناقشة التقدم الحاصل عند كل منهم ومعالجة المشاكل والتخطيط للنشاطات المستقبلية. تعد نشاطات المتابعة من الأمور الهامة جدا في التطبيق المستدام لبرامج الإدارة المتكاملة للآفات. يعتمد نوع النشاط المطلوب في المتابعة على احتياجات المزارعين الخرجين في كل منطقة. قد تتضمن نشاطات المتابعة قيام المزارعين بتنظيم مدارس حقلية تتعلق بالإدارة المتكاملة لمحاصيل أخرى حيث يتعلم المزارعين مهارات الإشراف والإدارة فضلا عن إنشاء جمعيات ومنظمات خاصة بهم تهتم بنشاط زراعي أو سلعة معينة وربما أمور تتعلق بتسويق المحصول. لذلك فإن النهج الذي اتبع في تنفيذ برامج إدارة الآفات من خلال تطبيق أسلوب مدارس الفلاحين ساعد على تحقيق نتائج كبيرة في مستوى تقبل المزارع لفكرة إدارة المحصول وآفته ورغبته في تبني التطبيقات التي جربها ولمس فائدتها الاقتصادية بنفسه.

صدور كتاب جديد في الادارة المتكاملة للآفات الزراعية

 صدور كتاب جديد 
 الإدارة المتكاملة للآفات الزراعية في الدول النامية والعالم العربي ، المكونات الرئيسية وتطبيقيات ناجحة في نظم زراعية مختلفة

تاليف الاستاذ الدكتور عبد الستار عارف علي
استاذ متقاعد /جامعة بغداد
abdulsattararif@yahoo.com
تمت طباعته في شركة دار البيروني للنشر والتوزيع/عمان/الاردن ، 618 صفحة، 2017

ملخص مقدمة الكتاب

    إدارة الآفات الزراعية هي علم  قائم بحد ذاته يبحث في أسلوب التكامل تجاه معقد المشاكل الزراعية المختلفة يجمع بشكل منسق بين كل تقانات  المكافحة المتاحة لرفع كفاءة السيطرة على الآفة إلى أقصى درجة وخفض تأثير المشاكل  البيئية  والصحية المحتملة. حيث إن مفهوم الإدارة المتكاملة يركز أساسا على تشجيع استعمال تطبيقات المكافحة بشكل منسق من اجل تحقيق استدامة اقتصادية وبيئية في المنطقة المستهدفة. الا ان تصميم وتطبيق برامج ناجحة لإدارة الآفات في النظم الزراعية المختلفة يتطلب حضورا فعالا لعدد من الجهات ذات العلاقة تتمثل بالباحثين والمزارعين والمستهلكين وكذلك المختصين بصناعة وتسويق المنتجات والسلع الزراعية والجهات المعنية بصناعة وتسويق مواد ووسائل المكافحة ومساهمة فعالة من قبل العاملين في الإرشاد الزراعي والقائمين على وضع خطط وتنفيذ السياسة الزراعية في البلد المعني. أما هيكلية نظام الإدارة المقترح فإنها تعتمد على استيعاب وتحليل النظام البيئي في المنطقة المستهدفة من اجل توفير المعلومات المتعلقة بالركائز الأساسية للنظام التي على ضوئها يتخذ القرار المتعلق بالمكونات التطبيقية التي يفترض أن تستعمل تجاه الآفات الرئيسية في النظام الزراعي المعني. لا شك أن هناك عدد غير قليل من المؤلفات في المكتبة العربية التي تناولت الآفات الزراعية ودراسة الجوانب الحياتية والسلوكية المتعلقة بها وكذلك المؤلفات المتعلقة بمواد ووسائل المكافحة وإدارة الآفات الزراعية، إلا أن المكتبة العربية لازالت بحاجة إلى المزيد من المراجع العلمية التي تواكب التطورات الحديثة في نظم إدارة الآفات ودورها في تحقيق الاستدامة في الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي. لقد تم تصميم هذا المؤلف من اجل توفير قاعدة معلومات واسعة عن علم إدارة الآفات الزراعية ليكون مرجعا شاملا لطلبة الدراسات الأولية والعليا وكذلك للباحثين المهتمين بعلم إدارة الآفات. كما شملت الجوانب التطبيقية  على أمثلة متنوعة عن تقانات إدارة لآفات من مختلف البلدان ليستفيد منها العاملين والمهتمين بالقطاع الزراعي وكذلك أصحاب القرار في العالم العربي. وضعت فصول الكتاب في ثلاثة أبواب رئيسة، تضمن الباب الأول خمسة فصول ركزت على مفهوم الآفات الزراعية وأضرارها والتسلسل الزمني لتطور وسائل المكافحة وإدارة الآفات. كما تضمن هذا الباب على الركائز الأساسية لنظم إدارة الآفات التي شملت الجوانب المتعلقة بالآفة ووسائل المراقبة والمسح المعتمدة في التحري عن الآفات و قياس أضرارها ومعرفة الحد الاقتصادي الحرج وكيفية حسابه والعوامل المؤثرة فيه مع عرض شامل لعوامل المقاومة الطبيعية المتحكمة والمنظمة لمجتمعات الآفات الزراعية والأعداء الحياتية. أما الباب الثاني فتضمن  الفصول 6– 22 التي تطرقت إلى المكونات التطبيقية لبرامج ومشاريع الإدارة المتكاملة للآفات حيث تعد الإجراءات الزراعية من أهم المكونات التي تبدأ باختيار الموقع والجوانب المتعلقة بإدارة التربة والمياه ومن ثم إجراءات إدارة المحصول التي تساهم في تحسين بيئة المحصول وبالوقت ننفسه تكون غير ملائمة لانتشار آفات ذلك المحصول أو ذات فائدة تجاه الأعداء الحياتية التي تتغذى على الآفات المختلفة التي تصيب المحصول المستهدف. أما الفصل المتعلق بالوسائل الفيزيائية والميكانيكية تم ذكر عدد من الأمثلة عن التطبيقات الناجحة في برامج إدارة الآفات. كما تم التطرق إلى مقاومة النبات العائل والأصناف المهندسة (المحورة) وراثيا وتطبيقاتها في إدارة الآفات. وفي فصل المكافحة الحياتية تم التطرق إلى الوسائل التقليدية والتنظيمية وكذلك إلى الوسائل التي من شانها المحافظة على عناصر المكافحة الحياتية الطبيعية وتعزيز دورها ضمن تطبيقات تقانات إدارة الآفات. كما تم استعراض المواد الثانوية المنبعثة من النبات العائل وأثرها في سلوك الأعداء الحياتية باتجاه إيجاد العائل وقبوله وكذلك دورها في العلاقة بين المستويات التغذوية الثلاث و في أنظمة إدارة الآفات. أما المواضيع الأخرى التي شملتها فصول هذا الباب فقد اشتملت على الاستعمال الآمن للمبيدات والبدائل الممكنة ، المكافحة التشريعية والتنظيمية، النماذج والموديلات الافتراضية لمكونات برامج إدارة الآفات واستعمالاتها التطبيقية،  تطبيقات الزراعة العضوية والزراعة النظيفة في إدارة الآفات واستجابة المستهلك للسع الزراعية المنتجة وفق هذه الأنظمة. كما تم استعراض تجارب بعض الدول العربية في تطبيقات إدارة الآفات ودور مدارس الفلاحين(المزارعين) الحقلية في نشر مفهوم إدارة الآفات. تطرق الباب الثالث في فصوله إلى أمثلة ناجحة لتطبيقات إدارة الآفات في نظم زراعية مختلفة في عدد من الدول النامية بضمنها دول عربية. تم استعراض نظم إدارة الآفات في محاصيل حقلية  رئيسية مثل القمح والشعير والقطن وبالنسبة لمحاصيل الخضر اعتمد محصول الطماطة/ البندورة مع أمثلة عن برامج إدارة الآفات في الزراعة المحمية والمكشوفة في  دول منطقة البحر المتوسط. بالنسبة لأشجار الفاكهة ذكرت نماذج لأنظمة زراعية مختلفة ومهمة من الناحية الاقتصادية والاجتماعية على مستوى دول العالم  تضمنت الحمضيات/ الموالح، النخيل، الزيتون ، التفاح واللوزيات. حيث تم استعراض عدد من الأمثلة لإدارة الآفات في كل نظام  في البلدان المختلفة ثم وضع إطار عام وشامل في نهاية كل فصل للتطبيقات الممكنة لإدارة الآفات في النظام المستهدف من اجل إعطاء تصور منطقي وشامل للمكونات التطبيقية التي يمكن أن تستعمل جميعها أو بعضها حسب نوع الآفة والظروف السائدة ومدى توفر الخبرة والبني التحتية في كل بلد.

نسأل الله العلي القدير  أن يجد الإخوة والزملاء الباحثين  وأعزائنا الطلبة الفائدة المرجوة من هذا الكتاب باعتباره مساهمة متواضعة في نشر المعلومات العلمية والتطبيقية في مجال علوم وقاية النبات بشكل عام والإدارة المتكاملة بشكل خاص سعيا نحو تحقيق متطلبات الزراعة المستدامة والأمن الغذائي في وطننا العربي الكبير.